عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
38
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
ثم إن المحب إذا تحقق في مقام وجد الموجود ، وظهرت عليه آثار الشهود ، يشهد محبوبه في سائر الذوات ، وصفاته مع سائر الصفات ، فلا يرى الوجود سواها ولا يراها سواه ، وإذا نظر نظرا قويما ، وسلك في الاعتبار طريقا مستقيما ، رأى الكل في ضمن حقيقته الإلهية ، وبلغ إلى مقام الفردانية : [ من الطويل ] وطارحني غنج اللحاظ معانيا * أغار عليها أن تلمّ بمسمعي فكرّرت طرفي في الوجود بأسره * فلم أر فيه غير معناك مقنعي وطالعت في سرّ الهوى فإذا التي * أطوف عليها في معالمها معي وهذه العبارة إنما هي بحسب الاعتبارات وما توجبه الأحوال من الجمع والافتراق ، إذ الحقيقة تجمع والحق يفرق ، فإذا غلبت على المحب الغيبة في الشهود ، ذهب عن خاطره حقيقة الوجود ، فلم ير غير مشهوده ، لفنائه عن رسومه وحدوده ، وإذا رجع إلى النظر إلى ذاته ، واختلاف أحواله وصفاته ، غلبت عليه أشعّة الجلال ، فيرى ذاته مفتقرة على كل حال . وهذا هو آخر مقامات المحبّين وأول مقامات العشّاق الذين أسكرهم شراب القرب ، وغابوا عن ذواتهم في شهود الربّ ، سلبوا عن اختيارهم وإرادتهم ، وأخرجوا في المحبة عن مستقرّ عادتهم : [ من البسيط ] سعوا إلى الراح مشي الرّخّ « 1 » وانصرفوا * والراح يسعى بهم سعي الفرازين للّه درّهم من فتية بكروا * مثل الملوك وراحوا كالمجانين يعني أنهم لما سلكوا طريق المحبة سعوا سعي الرخ أي على استقامة لأنها أقرب الطرق ، وعند شربهم من مورد المحبة وسكرهم صدروا عنه وسيرهم سير الفرازين « 2 » أي على غير استقامة ، فلأن من لا يدبّر نفسه إنما يسير كيف
--> ( 1 ) الرّخّ : من أدوات الشطرنج . قال الليث : هو معرب وضعوه تشبيها بالرّخّ الذي هو الطائر . والرّخّ : طائر كبير يحمل الكركدن . والرّخّ : نبات ليّن . ( 2 ) الفرزن : الفرزان : من لعب الشطرنج ، أعجمي معرب وجمعه فرازين ( تاج العروس للمرتضى الزبيدي ) .